منتدى البدائل العربي للدراسات: مؤسسة بحثية تأسست عام 2008 وتسعى لتكريس قيم التفكير العلمي في المجتمعات العربية، وتعمل على معالجة القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية في إطار التقاليد والقواعد العلمية، بعيدا عن لغة التحريض والدعاية السياسية، في إطار احترام السياقات السياسية والاجتماعية الخاصة، وأيضا القيم الإنسانية العالمية. ويعمل المنتدى على توفير مساحة لتفاعل الخبراء والنشطاء والباحثين المهتمين بقضايا الإصلاح في المنطقة العربية، تحكمها القواعد العلمية واحترام التنوع، كما يحرص المنتدى على تقديم البدائل السياسية والاجتماعية الممكنة، وليس فقط المأمولة لصانع القرار وللنخب السياسية المختلفة ومنظمات المجتمع المدني، في إطار احترام قيم العدالة والديمقراطية.

منتدى البدائل العربي للدراسات (AFA) يتخذ شكلا قانونيا متمثل في شركة ذات مسئولية محدودة (س.ت. 30743)

ماذا نعني بالديمقراطية في الثورات التي شهدتها دول الربيع العربي؟ هل نعني أن الهدف من التحول الديمقراطي تغيير رأس النظام أم إحداث تغيير جذري في بنى مؤسسات الدولة والمجتمع وتفكيك الأنظمة الاستبدادبة القائمة؟ وهل التحول الديمقراطي مرتبط بتحول من الداخل أم من الخارج؟

 

ماذا نعني بالديمقراطية في الثورات التي شهدتها دول الربيع العربي؟ هل نعني أن الهدف من التحول الديمقراطي تغيير رأس النظام أم إحداث تغيير جذري في بنى مؤسسات الدولة والمجتمع وتفكيك الأنظمة الاستبدادبة القائمة؟ وهل التحول الديمقراطي مرتبط بتحول من الداخل أم من الخارج؟

ارتفعت مؤخرا العديد من الأصوات التى تطالب بتدخل الجيش في العملية السياسية في ظل حالة الاستقطاب الحاد التي تسيطر على الساحة السياسية، وتدهور أداء مؤسسات الدولة المصرية التى بدت في حالة عجز شبه كامل عن الوفاء بأبسط مهامها في حفظ الأمن وتوفير المستلزمات الاساسية للمواطنين كالسولار. لم يقتصر الأمر على الدعوات، بل قام بعض المواطنين في بورسعيد والأقصر بعمل توكيلات لتفويض الفريق عبد الفتاح السيسي القائد العام للقوات المسلحة بإدارة شئون البلاد، كما أبدت بعض وسائل الإعلام تأييدا لمطلب عودة الجيش للسياسة.

ارتفعت مؤخرا العديد من الأصوات التى تطالب بتدخل الجيش في العملية السياسية في ظل حالة الاستقطاب الحاد التي تسيطر على الساحة السياسية، وتدهور أداء مؤسسات الدولة المصرية التى بدت في حالة عجز شبه كامل عن الوفاء بأبسط مهامها في حفظ الأمن وتوفير المستلزمات الاساسية للمواطنين كالسولار. لم يقتصر الأمر على الدعوات، بل قام بعض المواطنين في بورسعيد والأقصر بعمل توكيلات لتفويض الفريق عبد الفتاح السيسي القائد العام للقوات المسلحة بإدارة شئون البلاد، كما أبدت بعض وسائل الإعلام تأييدا لمطلب عودة الجيش للسياسة.

تشهد الساحة السياسية المصرية جدلا حول المشاركة أو مقاطعة الانتخابات البرلمانية التى دعا اليها رئيس الجمهورية. وبينما اتجهت أغلب القوى المعارضة إلى خيار مقاطعة الانتخابات في البداية، فإن قرار محكمة القضاء الإداري الأسبوع الماضي بوقف قرار الدعوة للانتخابات يعيد طرح خياري المشاركة والمقاطعة على جميع القوى السياسية. تسعى هذه الورقة إلى تقييم كل من الخيارين، وما يقدماه من مكاسب وخسائر لكل طرف.

 

تشهد الساحة السياسية المصرية جدلا حول المشاركة أو مقاطعة الانتخابات البرلمانية التى دعا اليها رئيس الجمهورية. وبينما اتجهت أغلب القوى المعارضة إلى خيار مقاطعة الانتخابات في البداية، فإن قرار محكمة القضاء الإداري الأسبوع الماضي بوقف قرار الدعوة للانتخابات يعيد طرح خياري المشاركة والمقاطعة على جميع القوى السياسية. تسعى هذه الورقة إلى تقييم كل من الخيارين، وما يقدماه من مكاسب وخسائر لكل طرف.

في إطار الاهتمام بالأوضاع السورية وتطورات الثورة السورية على الأرض، وفي محاولة لترسيخ فهم أفضل لما يجري هناك وتواصلا مع سلسلة من الندوات حول سوريا، وسعيا منه للاسهام في خلق وعي أفضل بقضايا الأمة العربية، واستجلاء حقيقة الاستمرارية والتغير في الدور المصري نحو القضايا الساخنة على الساحة السياسية العربية، عقد منتدى البدائل العربي للدراسات ندوة بعنوان "آفاق الثورة السورية والدور المصري" وذلك يوم 21 يناير 2013. بمشاركة أ/ سلامة كيلة، ود. علاء عبد العزيز.

المتحدث الأول: أ/ سلامة كيلة

الأسباب والعوامل الاقتصادية والاجتماعية للثورة السورية: شهد العقد الأخير فى سوريا تحولا سريعا نحو اللبرلة، حيث تم اللحاق بوضع مصر في بلد كان يقال أنها تتأخر عن مصر في خطواتها 10 سنوات. مع مجيء بشار الأسد جرى الكلام عن التحديث والتطوير الذي كان يؤمل أن يتحقق في المستوى السياسي، ولكنه جري فعليا على المستوي الاقتصادي. القوى الرأسمالية التي نشأت عن نهب "القطاع العام" في عهد حافظ الأسد أسرعت في عهد بشار الأسد الى السيطرة على الاقتصاد، وهنا خصوصا آل مخلوف. فتم تحرير كل شيء العام 2007، وتحقق انهيار القطاع العام، وأصبح اقتصادا ليبراليا ومتحكم فيه من قبل قلة هم آل مخلوف وآل الأسد وآل شالوش (وهم مترابطون عائليا)، الذين باتوا يمتلكون 30% من الاقتصاد السوري حسب تقديرات د. قدري جميل الذي هو الآن نائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية، وبالتحالف مع بعض البورجوازيات السورية في المدن تم إنشاء الشركة السورية القابضة التى أصبحت تمتلك 60% من الاقتصاد. هذه العملية ارتبطت بتحول النشاط الاقتصادي من الإنتاج إلى الاقتصاد الخدمي، وهو ما أدى إلى انهيار الزراعة والصناعة، وهجرة مئات آلاف الفلاحين من المناطق الريفية إلى المدينة.

على ضوء ذلك ارتفعت نسبة البطالة لتصل لما بين 30 و33 بالمائة. وانخفاض الحدود الدنيا للأجور عن المطلوب للوفاء بالاحتياجات الأساسية بنسبة 5 إلى 1. ونتيجة لكل هذه العوامل كان لابد من تزايد الاحتقان الاجتماعي، لكن نتيجة لقدرة النظام على تمتين حاجز الخوف فإن هذا الانفجار الذى أدى إلى حدوث الثورات في مصر وتونس لم يكن مهيئا في سوريا بالسوية ذاتها. ولهذا كان انفجار الثورة هو نتيجة للثورات التونسية والمصرية والبحرينية واليمنية والليبية، حيث أن النظام السوري قام بتحضير نفسه قبل اندلاع الثورة وحاول تلافي خطأ نظام مبارك بعدم استعمال قوات الحرس الجمهوري، ومن ثم ووجهت المظاهرات والاحتجاجات بالعنف منذ اللحظة الأولى، وهو ما أدى إلى تزايد الاحتجاجات وليس وقفها، حيث أدى القتل من قبل السلطة الى كسر حاجز الخوف، الأمر الذي جعل القتل هو الذي يوسع الحراك. جملة المشكلات التي شهدناها في الوضع السوري هي التي أوجدت كل المظاهر التي نشأت، والى استمرار الحراك لفترة أطول.

الحراك في البداية كان محصورا في مناطق بعينها، من خلال التظاهر أيام الجمع. وبالتالى كانت لدى النظام آلية ما لمواجهة التظاهرات. الناس فى الأشهر الستة الأولى ظلت متمسكة بالسلمية رغم عنف السلطة، وكان واضحا ان الحراك يسير بشكل عفوي ويقوده الشباب المفقر والطبقة الوسطى المتهالكة. ومن ثم توجه النظام نحو تصفية كل من يمكن أن يقوم بدور إعلامي أو تنسيقي.

تطييف الثورة: السلطة فى إطار سياستها كانت تريد أن تغطى على العنف الذي قررت ممارسته منذ البدء بتصوير مجموعات الشباب باعتبارها مجموعات مسلحة وثورة إسلامية. النظام كان يريد أن تبقى الأقليات متماسكة حوله وملتصقة به وخاصة العلويين الذين تتكون منهم القوى القمعية التي يقوم نظامه، وقد لعب دورا في اذكاء الصراع الطائفي لتبقى الطائفة العلوية في صفه. ومن ثم بدأ الكلام عن أن الثورة هي ثورة الاسلامية وأنها تعبّر دور القوى الإسلامية والإخوانية فى السعي للسيطرة على السلطة والانتقام من الطائفة العلوية. هذا الخطاب لاقى بعض النجاحات بفضل حماقات المعارضة السورية التى حمل بعضها خطابا طائفيا، وبدأ الإعلام الفضائي يلعب على إظهار الطابع الاسلامي للثورة، ويضخم منه، ويغفل بقية مكونات الثورة. هذا الخطاب خدم النظام فى الترويج لطائفية الثورة، وساعد على ذلك تطورات القتال حيث اضطرت ألوية مقاتلة للتسمي بأسماء اسلامية وفقا لشروط الممول (الإخوان المسلمين). تطور هذا الأمر بإدخال مجموعات مسلحة خارجية، مجموعات "جهادية" جعلت الوضع في سوريا معقدا، حيث باتت تعمل على تحقيق ما فشل فيه بشار من إذكاء الطائفية.

ولقد فرض تحوّل الكثير من الشباب الى العمل المسلح، ومن ثم التدمير الكبير الذي أحدثه النظام، والذي أدى الى تهجير عدد كبير من السوريين، أن يتراجع الحراك الشعبي. فقد بدأ الناشطون يتجهون لنشاط الإغاثة أيضا، وهو ما أضعف الحراك الشعبي وزاد من الحراك العسكري حتى بدى الأمر أنه صراع مسلح فقط، لكن النظام لن يسقط بالحراك العسكري وحده بل بالحراك الشعبي الشامل.

وضع المعارضة السورية: لم تكن فاعلة فى الثورة منذ البداية، وكان بعضها يراهن على امكانية أن تفتح السلطة نوافذ للتغيير، وتبنى بعضها الآخر سياسة الاستغاثة بالخارج والتعويل عليه كثيرا في إمكانية إسقاط النظام، وعلى أساس ذلك تبلورت المعارضة منقسمة الى معارضة الداخل ومعارضة الخارج، والأخيرة التى تشكل منها المجلس الوطنى السوري اختار لنفسه دور التحريض على التدخل الدولي دون أن يقدم شيئا فى الواقع، وهو عمليا يعكس صورة سلبية عن وضع الثورة السورية انطلاقا من أن هذه المعارضة هي التعبير عن الثورة السورية بالرغم من وجود فارق جوهري بين القوى على الأرض وهذه المعارضة التقليدية. فالمعارضة تفكر في سوريا ما بعد بشار، بينما يفكر الثوار فيما يجري على الأرض وفي خطط المواجهة ومدى القدرة على الصمود حتى النهاية.

الوضع الدولى والإقليمي: بالنسبة لسوريا الوضع الدولي ليس فاعلا بما يخدم الثورة. فروسيا وإيران والصين تساند النظام، والدول الغربية تريد أن يظل النظام بشكل أطول حتى يتم تدمير سوريا بالكامل، وتتم المحاصصة على إعادة الإعمار. يبقى الوضع الاقليمي سيئا للغاية، فالوضع لا يتعلق بتصريحات وإنما بأفعال على الأرض. دول الخليج تدفع باتجاه تطييف الصراع، فالسعودية ضغطت من أجل إدخال مجاهدين سلفيين من دول عربية عدة إلى سوريا، ومن ثم تشكلت جبهة النصرة. الأفق الآن يتجه نحو اللحظة التي تنكسر فيه السلطة مع اختلاف في السيناريوهات.

المتحدث الثاني: د. علاء عبد العزيز:

بداية أود أن أشير إلى أنني أتحدث هنا بصفتي البحثية والشخصية وليس بصفتي الرسمية. منذ عامين كنا نناقش الثورة التونسية وهل يمكن أن تتكرر فى مصر ومتي؟ والآن وبعد أن رأينا الثورات في تونس ومصر وليبيا واليمن يصبح السؤال الأهم كيف ستبدو سوريا فى اليوم التالي لسقوط بشار؟. وللإجابة على هذا السؤال هناك خمس ملاحظات رئيسية لابد أن تؤخذ في الاعتبار:

1- كيف ستبدو سوريا في اليوم التالي لتغيير النظام؟

اقتصاديا: سوريا تحتاج لــ14 سنة من الانتاج والعمل بمعدل نمو 5.5% لتعود إلى ما كانت عليه في 2010 وفقا لتقديرات أحد خبراء البنك الدولي، هذا الوضع حقيقى على الأرض فبعد 22 شهرا من القتال البنية التحتية مدمرة، والمصانع أغلقت ومعظم معداتها إما دمرت أو سرقت.

بالمعنى العسكري: تجمع الدول على عدم حل الجيش حتى لا نقع فى المأزق العراقي، فى اليوم التالي لسقوط الأسد الجيش هزيل العدد ومهزوم معنويا، ومقسم طائفيا، كما أنه فقد معظم المعدات والأسلحة على مدار القتال فضلا عن المناطق العسكرية التي دمرت بالكامل.

اجتماعيا وإنسانيا: هناك احتقان طائفي شديد، وتوترات محتمل أن تنفجر في أي لحظة وغالبا ستنفجر فور سقوط النظام وهناك مشاحنات مناطقية وتوابع اجتماعية كبيرة ناجمة عن أعداد القتلى والجرحي، هناك كل أنواع الانتهاكات فى حقوق الإنسان يرتكبها الطرفين، خبرة النزاعات الدولية تجعلنا نقول أنه أصبحت هناك ثارات مستقبلية شديدة.

سياسيا: سوف تنفجر الكيانات السياسية الشديدة مع ضعف شعبيتها ومن ثم عدم الاستقرار، حافظ الأسد حول سوريا من ملعب إقليمى إلى لاعب إقليمي ومن ثم بعد بشار سوف تعود إلى ملعب إقليمي كبير، كما أن أحد تداعيات الثورة مسألة إعادة تحرير الأرض سوف يعاد طرحها من جديد بحكم الواقع الثوري وسوف تصبح ملحة بقوة على الحكومة الجديدة.

2- عملية صنع القرار السياسي في سوريا:

التغيير الأساسي التي أحدثته الثورة هو التحول من صانع قرار (حافظ ثم بشار الأسد) في المركز وحوله أكثر من 16 مؤسسة محيطة تمده بشكل مباشر بالمعلومات والتقرير والبدائل إلى رئيس أمامه مجموعات من المؤسسات متجمعة في 4 كتل رئيسية هناك مؤسسات أمنية قوية وهناك مجموعة مؤسسات تضم العائلة بملفاتها المختلفة، هناك مجموعة تضم البعث والكتلة البيروقراطية.

فيما يتعلق بالتفاعلات الإقليمية مع الأوضاع فى سوريا: ينبغي أن نطرح سؤالا هل صانع القرار العربي مدرك لخريطة صنع القرار داخل سوريا؟ وهل مدرك لشبكة علاقات وتفاعلات هذه القوى؟

3- المعارضة المسلحة على الأرض:

في الحالة السورية فإن الحركات المقاتلة على الأرض، بمعيار الجيوش النظامية ليس هناك جيش سوري حر، الثورة السورية قدمت نموذجا مختلفا من المعارضة المسلحة التى لديها تنسيق يسمح لها من السيطرة على مناطق معينة، فالقادة العسكريون للجيش الحر لا يعطون الأوامر فتنفذ بهيراركية معينة بل هناك اكثر من قائد وأكثر من خطة، فمثلا عملية السيطرة على مخيم اليرموك منذ 16 ديسمبر، السيطرة على طريق مطار دمشق الدولي، كل هذا نموذج لا بد من دراسته بدلا من جنوح التحليل إلى تفتت المعارضة وقوى الثورة.

4- خرافة التقسيم الطائفي جغرافيا:

خبرة في التواجد في سوريا على الأرض فإن الاصطفاف الطائفي في سوريا خرافة فالثوار لا يسيطرون على مناطق سنة والنظام لا يسيطر على مناطق شيعة، والترويج لهذا هو وصفة سحرية لتقسيم سوريا، خرافة الدولة العلوية في الساحل السوري.

5- عن الدور المصري:

منذ بدء الثورة السورية حتى الأن هناك سبعة مبادئ مصر حريصة على أن تسير الأوضاع وفقا لها:

‌أ. رفض عسكرة الثورة السورية واستمرار التمسك به رغم تحولها.

‌ب. الحفاظ على وحدة سوريا أرضا وشعبا، فلا تعطى مصر سلاحا لأى فصيل.

‌ج. رفض التدخل العسكري حيث هناك اعتقاد بأن هذا يؤسس لدور خارجي مهيمن.

‌د. محاولة الحل فى الإطار العربي أو على الأقل فى اطار الأمم المتحدة دعم مصطفى الدابي والإبراهيمي.

‌ه. السعي لانتقال آمن ومنضبط للسلطة في سوريا لا يؤدى إلى انفلات ويحدث بأقل قدر من الخسائر.

‌و. التعامل مع التداعيات الإنسانية للمواجهات الدائرة بين الأطراف المختلفة.

‌ز. حماية المصريين المقيمين في سوريا والحفاظ عليهم.

مداخلات القاعة:

دارت الملاحظات والأسئلة والتعليقات في القاعة حول أربعة نقاط يمكن إجمالها في الآتي:

1- ملاحظات فيما يتعلق بمصطلح الليبرالية عندما نصف السياسات الاقتصادية لبشار الأسد باعتبارها ليبرالية فإننا نرتكب خطأ، فما حدث في مصر وسوريا وتونس ليس ليبرالية، وإنما هو خليط من وصفات صندوق النقد والبنك الدولي وسياسات محلية لتمكين رجال أعمال النظام.

2- أسئلة حول مدى تغير الدور المصري تجاه الثورة السورية؟ ومدى التغير في عملية صنع القرار في وزارة الخارجية ذاتها قبل وبعد الثورة؟ المساعدات الانسانية وحدها لا تكفى، لماذا لم تقدم مصر مبادرات إقليمية قوية لحل الأزمة بخلاف اللجنة الرباعية التي فشلت فى التوصل لحل؟ إلي أي مدى تشكل العمالة المصرية بسوريا عائقا أمام اتخاذ مواقف جدية حيال الثورة السورية؟

3-أسئلة حول الأوضاع على الأرض ومدى حقيقة الاصطفاف الطائفي، هناك سؤال حول المجالس المحلية في مناطق سيطرة الجيش الحر ومحاولات لانتخاب مجالس محلية من الشباب والقيادات التقليدية ومدى قدرة هذه الكيانات على الصمود واستلام مهام الحكومة من أسفل لأعلى؟ علاقة المعارضة بالحراك والصدامات بين الشباب غير المسيس والمعارضة التقليدية المؤدلجة أى الخطابات أكثر جاذبية وشعبية في الشارع؟ ودور اليسار السوري في الثورة والحراك على الأرض؟ ومدى قدرة النظام على الاستمرار؟

4-التدخلات الخارجية ومحاولة إعادة تقسيم المنطقة التخوف الأساسي من تغيير صيغة النظام في سوريا الآن تخرج عن تصميم سايكس بيكو وتحويل الشرق الأوسط لدول طائفية تصبح فيه إسرائيل هي القوة الكبرى. تركيا وسوريا الاحتضان المبالغ فيه من قبل تركيا لطوائف معينة من المعارضة السورية؟

ردود المتحدثين:

أ/ سلامة كيلة:

النقطة الأولى: تتعلق بمسألة ليبرالية النظام، فى الفكر كانت الليبرالية تعني التصور التحرري بشكل عام لكن تشعبت بعد تبلور الرأسمالية إلى ليبرالية اقتصادية وليبرالية سياسية، وجوهر الليبرالية الاقتصادية هو حرية السوق. وهذا ما هو قائم في البلدان العربية، والذي يتخذ الشكل الذي نراه، والذي هو الشكل الممكن في ظل سيطرة النمط الرأسمالي. لهذا بات كما نرى مقارنة بالليبرالية في البلدان الرأسمالية: ليبرالية شكلا وجوهر غير ليبرالي، بحيث تتحق سيطرة رأسماليات محتكرة من قبل فئة معينة.

فهمنا للثورة المصرية: إن فراغ القوى التى تعبر عن حركة الناس يفرض أن تلعب القوى الموجودة على الأرض الدور الأساسي. بالنسبة للحديث حول إعادة تقسيم المنطقة، كان الأمريكيون يعملون على تقسيم المنطقة طائفيا وعرقيا، وهذا مسعى لا يخفى على أحد وهو ما حدث فى العراق والسودان. هناك محاولات لتفجير صراع طائفي، لكن الأمور على الأرض لا تجري فى هذا الاتجاه. ما يفعله الشباب تجاه الشبيحة هو تصنيف كل من يتبع العنف ضدهم باعتبار أنه من أتباع النظام وليس من اتباع طائفة معينة. دخول السعودية على الخط ودخول العناصر "الجهادية" يهدف الى تحويلها الى حرب طائفية وتكريس تطييف الثورة. الشعب تحول إلى العمل المسلح دفاعا عن نفسه لمواجهة العنف المفرط للسلطة وليس لأن هناك طرفا دفعه باتجاه العسكرة، الثورة يمكن أن تنتقل لعمل مسلح أو أن تبقى سلمية، هذا يعتمد على ردة فعل السلطة. هل الطائفية تفرض على الثورة الميل الى الأسلمة؟ هذا خطر من تحويل الصراع من صراع شعب ضد سلطة إلي طوائف ضد بعضها ومن ثم تفكيك البنى الداخلية للحراك وتوجيهه باتجاه ما يريده النظام.

فيما يتعلق باليسار السوري ودوره فى الثورة، من يتحالفون مع النظام ممن يطلق عليهم يسار لا يمثلون اليسار بشيء وإنما هم جزء من البيروقراطية التي تعتمد عليها السلطة، الحراك اليساري على الأرض جزء من الثورة، هناك عدد من التجمعات، مثل إئتلاف اليسار السوري وتنسيقيات الشيوعيين والكوادر الشيوعية في السويداء، وتجمع اليسار الديمقراطي، تعمل على أمل أن يصبح هناك قدرة لليسار على أن يكون مؤثرا. معظم الأحزاب الشيوعية القديمة اتخذت مواقف مختلة لإشكالية بالفهم والوعي لديها، وللتفسيرات التي تعطى لمفهوم الامبريالية والتى تقود الى أن يرى بعض اليسار في بشار مناضلا ضد الإمبريالية العالمية.

تعتبر تركيا نظاما علمانيا، وحزب العدالة والتنمية هو حزب علماني وليس بالمعنى المطروح في مصر لدى الإخوان المسلمين. تحالف مع نظام بشار الأسد. وتركيا وفقا لداوود اوغلو وزير الخارجية لعبت دورا فى تثبيت النظام وهو قد حصل على اتفاق استراتيجي دمر اقتصاد سوريا، وكان يعتبرها مدخلا لدول الخليج وبقية الدول الأخرى في إطار سعيها الى أن تصبح قوة عالمية من خلال سيطرتها على الشرق. تركيا الآن تحاول أن تجد بدائل تعيد انتاج شكل العلاقة القديمة بين الأسد وأردوغان. صقور الشام مجموعة هدفها السيطرة على المناطق الكردية الحدودية لمنع سيطرة حزب العمال عليها وهى نشأت بدعم تركي كبير، التعامل مع اللاجئين السوريين في حد ذاته اشكالية.

فيما يتعلق بصمود النظام وقدرته على الاستمرار، الجيش السورى الكتل الأساسية فيه مهمشة والنظام يعتمد فقط على الكتلة الصلبة الأساسية، وهو ينسحب للمناطق التي يستطيع تأمينها والمحافظة عليها فقط، الدور الإيراني والعالمي ككل مؤيدة للنظام والإيرانيين يدافعون عن النظام من منظور استراتيجي وليس من منظور طائفي لأنه ليس لديها بديل عنه. ربما روسيا لديها بديل لكن إيران ليس لديها وترى ان سقوط سوريا هو سقوط محتمل للنظام الايراني.

د. علاء عبد العزيز:

التحذير من اليوم التالي لسقوط النظام لا يعنى أنني أريد للثورة أن تنتصر، وإنما أن نعي بحجم هذه التحديات، وكذلك وجوب التعامل معها من الآن، وبالتالي ينبغي على دول الخليج أن تبحث هذه النقاط وكيفية تمويل الحكومة السورية التي سوف تتشكل لتقوم بأدوارها في تسيير أمور السوريين، وع

في إطار الشراكة ما بين منتدى البدائل العربي للدراسات والمنظمة الدولية لتقرير الديمقراطية، قام منتدى البدائل العربي للدراسات بتنظيم ورشة عمل بعنوان:

"الانتخابات البرلمانية في مصر- رؤى وتحديات" وذلك يوم الخميس 17 يناير 2013 بمقر المنتدى.

وقد تم تناول ثلاثة موضوعات رئيسية تمثلت في النقاط الرئيسية التالية:

الجلسة الأولى: الإطار القانوني للنظام الانتخابي، أدار الجلسة: د. عبد الجليل مصطفى، وتحدث خلالها د. عمرو الشوبكي رئيس منتدى البدائل العربي والسياسي المعروف عن رؤيته للنظام الأمثل للانتخابات البرلمانية في مصر، وقدم د. جمال جبريل عضو مجلس الشورى رؤية أولية للقانون الذي تم اعداده في المجلس بهذا الشأن وأهم مزاياه وأوجه اعتراضه عليه.

الجلسة الثانية: تحديات مراقبة منظمات المجتمع المدني للانتخابات برئاسة أ/ عبد الغفار شكر، تحدثت خلالها أ/ سمر الحسيني المدير التنفيذي لمؤسسة اندلس عن تجربة المنظكات المدنية في مراقبة الانتخابات، ثم قدم أ/ أحمد فوزي أمين عام الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي رؤيته لإصلاح نظام المراقبة الحالي.

الجلسة الثالثة: تجربة مشاركة الشباب في الانتخابات البرلمانية: أدار الجلسة: أ/ محمد العجاتي المدير التنفيذي لمنتدى البدائل العربي، وعرض فيها أ/ اسلام لطفي تجربته كأحد شباب الثورة في خوض الانتخابات البرلمانية السابقة، وقدمت أ/ رابحة سيف علام الباحثة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية تجربة مشاركة الشباب في تنظيم وتفعيل الحملات الانتخابية للمرشحين.

المحور الأول:- الإطار القانوني للنظام الانتخابي في مصر:

تناولت الكلمات العديد من وجهات النظر المثارة على الساحة السياسية المصرية في الآونة الأخيرة، الأولى ترى أن يكون نظام القائمة النسبية المفتوحة هو الأفضل، في حين يرى آخرون أن النظام الفردي أفضل، بينما يتجه آخرون للنظام المختلط (ثلثين قوائم وثلث فردي)، فهناك وجهة نظر مفادها أن النظام الأمثل للوضع الراهن هو النظام الفردي بنسبة الثلثين مع تطعيمه بثلث لنظام القائمة، لكى يضمن وصول المرشحين الذين لا يستطيعوا العمل إلا في ظل دوائر صغيرة، كما أن الوضع العام في مصر رغم الرغبات الصادقة في الحديث عن تدعيم نظام القوائم للتنافس على البرامج فيما بين الأحزاب، وتفعيل النظام الحزبي في مصر، ولكن الصراع الحقيقي هو بالأساس على الترتيب داخل القائمة ومن ثم يصبح النظام فرديا في ثياب القوائم، في حين أن هناك أيضا بعض القيود المالية التي كثيرا ما تضعها الأحزاب أو يعرضها الأفراد للوصول لرأس القائمة وهو مايثير تساؤل حول تدعيم نظام القوائم للتنافس بين البرامج الحزية المختلفة.

كما أن لجان الانتخابات داخل الأحزاب تعاني من مشكلتين، الأولى هى شعور الناخب بوجود وسيطا بينه وبين اختياراته، فلجان الانتخابات داخل الأحزاب هي التي تختار مرشحي القائمة وتحدد ترتيبه داخلها، والمشكلة الثانية تتمثل في اشكالية التفتت داخل القائمة الحزبية بعد الانتخابات، بحيث أن الصراع على الترتيب داخل القائمة يتحول إلى صراع على النفوذ داخل الحزب، وذلك بخلاف الماكينة الانتخابية للإخوان، والتى تضع الشخصيات ذوي الشعبية المرتفعة على رأس القوائم الخاصة بها، في حين تشهد أحزابا أخرى صراعات كبيرة بخصوص مسألة ترتيب قوائمها، ومن ثم يصبح تماسك التكتلات السياسية الحزبية عرضة للتساؤل والشك. كما تطرق النقاش الى ما يمكن ان يثيره النظام الفردي في مصر من سيطرة نفوذ بعض العصبيات ذات الشعبية في بعض المناطق، فهذا الأمر بدأ يتأثر بالميول السياسية خاصة مع ارتفاع نسب المشاركة، ففكرة العصبيات ستظل موجودة في واقعنا السياسي والاجتماعي، ولا يجب تجاهلها، كما ترتبط بذلك فكرة توظيف الدين في العملية السياسية، ولكنها في نهاية الأمر تظل مسألة وقتية يمكن تغييرها عبر آليات المجتمع وليس عبر تدمير البنى التقليدية داخل المجتمع، كما أن هناك وجهة نظر أخرى ترى أن كثيرا من النظم الديمقراطية يعتمد على النظام الفردي، ومن ثم فإن اتباعه سوف يحول التنافس على الأوزان النسبية في الشارع الى تنافس حزبي فعلي، ومن ثم فإذا تم تدعيمه على مستوى المحافظات بالقوائم، كما أن تضييق الدوائر الفردية سيفتح الباب ليبقى هناك قوائم على مستوى المحافظات.

فيما يتعلق بالقانون المنظم لتلك الانتخابات، والذي كان محلا لنقاش واسع في مجلس الشورى، فقد أوضح إحدى وجهات النظر أن الأحزاب الجديدة طالبت أن يتم اتباع نظام القوائم بنسبة 100%، وطالب الاخوان المسلمون في البداية بأن يكون النظام الانتخابي فرديا بنسبة مائة بالمائة، ولكن النظام الفردي يصب صالح الحزبين الكبيرين الذين برزا في الانتخابات الأخيرة، أما فيما يتعلق بمسألة تقسيم المقاعد على المحافظات، فلم يتم تفعيل ذلك الا بالنسبة للمحافظات الحدودية، وذلك مع مراعاة التمثيل السكاني لبقية المحافظات، ولكن في نهاية الأمر ينبغي التأكيد على أن موضوع قانون تقسيم الدوائر سوف يقدم إلى مجلس الشوري وسوف يعرض على المحكمة الدستورية كرقابة سابقة، وهناك وجهة نظر تؤكد ضرورة رفض الدستورية العليا لتقسيم الدوائر بوضعها الحالي، ومن هنا لابد من أن نعمل علي إعادة تقسيم الدوائر، كما أن مسألة الأغلبية النسبية البسيطة تصب في صالح الحزبين الكبيرين في النظام الحزبي الحالي، كما تمثل التعديل الأخير في تطعيم القائمة التي تزيد عن 4 بمرشحة في النصف الأول في النصف الأول من القائمة، علاوة على ضرورة تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات تشكيلا قضائيا بحتا، لمعاونة الموظفين الذين سوف تستعين بهم اللجنة.

المحور الثاني: تحديات مراقبة الانتخابات:

ابتدءا توجد عدد من التحديات التي تواجه مراقبة منظمات المجتمع المدني على العملية الانتخابية ويمكن تقسيم هذه التحديات إلى ثلاثة أنواع:

1. تحديات هيكلية وتظهر في مراقبة يوم التصويت أو آخر أسبوع في الانتخابات، حيث لا تستطيع منظمات المجتمع المدني الحصول على تصريحات لمراقبين طويل المدى، فلا يوجد مراقب لاستطلاع آراء المصريين، فمنظمات المجتمع المدني غالبا ما لا تفكر في أخذ التصريحات مبكرا. وعدم وجود نص قانوني تحدد مسؤوليات المراقب وحقوقه وبالتالي لا يوجد هيكل معين لمراقبة الانتخابات فيسمح للقاضي أن ينهي عمل المراقب في أي توقيت. وكذلك الإجراءات غير عملية فهي لا تساعد على أن تتم مراقبة العملية الانتخابية كاملة.

2. تحديات إجرائية، وتتمثل في عدم وجود وقت لتدريب المراقبين ولا يوجد وقت للعمل على الانتخابات والتوعية الانتخابية بالإجراءات التصويتية فضيق الوقت يؤدي الى إهمال كل تلك النقاط. كما لا يوجد للمراقب سلطة لمواجهة قوات التأمين سواء من الأمن أو من القوات المسلحة، فالمراقب لا يعرف كيفية سير العملية الانتخابية، ولا يوجد ما يحصنه ضد أي تعسف، كما أن الرموز الانتخابية غير محايدة تماما، بحيث توجه الناخبين للتصويت لمرشح معين. وأخيرا معظم المنظمات الحقوقية غير مسموح لها عمل تجمعات لتلك المنظمات من أجل توعية المواطن بكيفية سير العملية الانتخابية.

3. أما على الجانب القانوني فلا يوجد قانون لتوصيف المراقبة الانتخابية، فضلا عن أن القواعد التي تتعامل منظمات المجتمع المدني على أساسها مع القضاة غامضة، فالقاضي يستطيع أن ينهي عمل المراقب، وليس من حق المراقب الإشارة للأخطاء التي قد يرتكبها بعض القضاة، كما لا يوجد تنسيق مع المنظمات الحكومية، وإنما توجد تحالفات غير متوازنة في عدد من المحافظات، ومن ثم يصعب تفعيل فكرة المراقبة على كافة المحافظات، أما فيما يتعلق بالمفوضية العليا للانتخابات ينبغي أن ينص على عملية المراقبة وليس فحسب فكرة انشاء المفوضية.

أما عن أهم ما يجب القيام به لتطوير فكرة المراقبة الانتخابية في مصر من الناحيتين النظرية والواقعية، فهناك وجهة نظر مفادها أن الخطوة الأولى للتعرف على كيفية سير العملية الانتخابية هي تعريف مفهوم المراقبة:

ما هي المراقبة؟ وكيف يمكن التفريق بينها وبين غيرها من المفاهيم الأخرى المرتبطة بالعملية الانتخابية كالمفوضية على سبيل المثال؟ ومن له حق المراقبة؟ ففكرة المراقبة تتطرق فحسب الى متابعة ما يحدث داخل اللجان الانتخابية، وتدوينه، ولا شأن لمنظمات المجتمع المدني بفكرة منع حدوث تزوير داخل اللجان الانتخابية. كما أن هناك أيضا رقابة سياسية من جانب "الأحزاب ومندوبي المرشحين" ومهمتها كشف مخالفات الأحزاب المتنافسة في الانتخابات، ومن ثم تكون غير محايدة في النظر للأمور، ويتعلق النمط الأخير بالمراقبة الحقوقية، والتي تتعلق برصد انتهاكات حقوق الانسان داخل المقار الانتخابية.

أما عن الإشراف الدولي على الانتخابات المحلية، فمفاده أن يقوم جهاز أجنبي بمراقبة العملية الانتخابية، ولكن السياق في مصر غير آمن لتفعيل ذلك النوع من المراقبة.

اما عن أنواع المراقبين، فهناك منظمات أهلية مستقلة عن الحكومة، وأحزاب سياسية، وهي يجب أن تكون محايدة تماما ولا تحاول وقف التزوير، بل تقوم بكتابة تقارير عما حدث في الانتخابات وتصدر توصيات لمنع تكرار الانتهاكات مرة أخرى، وتلك المنظمات تستند في مرجعيتها الى المواثيق الدولية "العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية" والقوانين المصرية، ومن المهم الإشارة إلى المراقبة طويلة المدى بحيث لا يراقب اليوم الانتخابي فقط ففي مصر 90% من المخالفات تكون قبل اليوم الانتخابي، كما يوجد المراقب السياسي (مندوب المرشحين)، وهو الذي يقوم بتسجيل الانتهاكات التي يقوم بها الخصم السياسي ومن حقه أن يوقف اللجنة بأكملها.

في نهاية الأمر تعاملت كل التيارات السياسية مع منظمات المجتمع المدني وكأنها لا تحتاج دوره، وربما يمكن رصد ذلك بشكل اكبر بين الإسلاميين على الرغم من أن المجتمع المدني هو من أحرج الدولة المصرية في انتخابات 2010 ومناداة عدد من التيارات بأهمية مراقبة المجتمع المدني على الانتخابات، ولكنها تعارض تلك المراقبة في المرحلة الراهنة.

وبالنظر إلى الشروط المحلية لعملية المراقبة على الانتخابات وحصول شخص ما على صفة مراقب، يمكن القول بأن القوانين المنظمة لعملية المراقبة في 2005 كانت أفضل بكثير من نظيراتها في عامي 2011 و2012، كما أن الهيئات القضائية لا تقبل مراقبة منظمات المجتمع المدني، فهم لا يعتبرون أنهم يخضعون للمراقبة لوجود خلط في المفهوم بين أحكام المحاكم والإشراف، أو المراقبة على الانتخابات، حيث انقسمت الاجهزة الإدارية المشرفة على اللجان إلى لجان لم تعترف بتزوير الانتخابات في 2005، وأخرى لم تقم بأفعال ايجابية حيال الانتخابات.

كما حصلت منظمات المجتمع المدني العاملة في مصر قبل قبل ثورة 25 يناير على تمويلات أجنبية، ولا سيما أمريكية كبيرة، في حين أنها كانت غير مستعدة لتفعيل هذا القدر الهائل من التمويل على أرض الواقع، كما انجرفت بعض منظمات المجتمع المدني للعمل السياسي، وتركت العمل المدني، مما أساء لحيادية فكرة المراقبة من الأساس، ومن هنا يظهر مدى أهمية الأدوار التي تلعبها منظمات المجتمع المدني التي تعمل على توعية المواطنين بعملية التصويت.

ثالثا:- تجربة مشاركة الشباب في الانتخابات البرلمانية

مشاركة الشباب في الانتخابات البرلمانية 2011 عكست إشكالية كبرى تتعلق بخبرة المرشحين والماكينة الانتخابية الخاصة بكل مرشح، فضلا عن حملات طرق أبواب والمضمون والرسالة والإعلام التي اعتمدت على التواصل المباشر من خلال المسجد والكنيسة، والخوف من المد الثوري والشبابي، وثقافة المجتمع لم تسمح لهم بالفرصة، لذا يقترح بعض المتخصصين مشاركة هؤلاء الشباب في الانتخابات المحلية، بسبب رسوخ فكرة الأقدمية في العمل السياسي في مصر، وعدم الثقة في الكوادر الشبابية بشكل معين.

كما ان تقسيم الدوائر الانتخابية قد لعب دورا مؤثرا في عدم انجاح الشباب في المعركة الانتخابية، فكانت شاسعة جغرافيا، ففي الدلتا والصعيد سادت ثقافة العائلة والقبيلة، أما بالنسبة للحضر، فأصبح يتحكم فيه الحملات الممولة والمال الانتخابي، ومن ثم أصبح تقسيما هزليا للدوائر الانتخابية، وسيادة الاستقطاب المدني الاسلامي، كما أن العقلية المصرية لم تدرك خطاب اللحظة الثورية.

اقترح أحد المتحدثين ضرورة القيام ببعض الاجراءات التصحيحية فيما يتعلق بتحقيق تمثيل ايجابي للطبقات الأكثر تهميشا كالشباب والمرأة، فهي مجرد تدابير وقائية، فضلا عن أن أداء الاحزاب السياسية ضعيف جدا، لأن اهدافها مصلحية ضيقة، وفيما يتعلق بتنظيم الحملة من الداخل فقد شابها تقصير شديد لأن قرار النزول كان متأخر وتوقف الحملة أثناء احداث محمد محمود، ففي فترة لا تتجاوز 10 ايام قامت الحملة بكل الأنشطة التي يجب فعلها، وفيما يتعلق بالتمويل كانت شبه منعدمة فكانت كلها تبرعات بلغت إجمالا 35 الف جنيه وتكفي للهرم فقط، فضلا عن عدم المعرفة الاعلامية بالمرشح، فالاخوان المسلمون فحسب هم من امتلكوا ماكينة انتخابية سليمة وقوية بسبب التنظيم القوى، والحملات الرئاسية مختلفة عن البرلمانية، فالاخوان هم كائنات انتخابية بالأساس، فالخبرات البرلمانية للشباب في برلمان 2011 كان شبه صفرية، وهناك بعض تصرفات الشباب اعلاميا تخسره كثيرا في الانتخابات، ويتفق المتحدث مع مقولة ان العالم لم يبدأ في 25 يناير ولكن هناك منتج لجيل واستقطاب يحارب هذا الجيل، ولكن لابد من اعطاء ذلك الجيل ميزة نسبية، ويتمنى ان تنتشر فكرة المناظرات في الثقافة الانتخابية المصرية، فالناس ما زلت تختار بناء على توجيه الاعلام الشعبي من خلال المساجد والكنائس.

أما عن تجربة مشاركة الشباب في الحملات الانتخابية، فقد اختلفت ما بين المناطق الشعبية المهمشة، وبين مناطق الطبقة الوسطى، والوسطى العليا، فعلى مستوى الاستراتيجية السياسية لم يكن هناك اختلاف كبير ما بين المناطق المختلفة المكونة للدائرة الواحدة، حيث أننا لم نستخدم المال في المناطق المهمشة استغلالا لفقر سكانها مثلا، وانما تم التواصل معهم من خلال المقاهي، وعبر المؤتمرات الجماهيرية، ورؤوس العائلات هناك بشكل أكبر من المناطق الأخرى في الدائرة كالدقي والعجوزة.

كما تنوعت أدوات الاتصال ما بين الاتصال المباشر من جانب المرشح وأعضاء الحملة مع الناخبين من خلال المقاهي العامة وجلسات الحوار، ولكن المرشح واجه صعوبات شديدة فيما يتعلق بالتواصل مع الناخبين بسبب عدم وجود الماكينة الحزبية التي كانت من المفترض أن توفر أعباء عملية الدعاية الانتخابية للمرشح المنتمي لحزب سياسي معين، وبالتالي لم تختلف أدوات الاتصال كثيرا لأن المناطق الممثلة للدائرة الانتخابية بالنسبة للمرشح جميعها تمثل حضر بالنسبة لتقسيم الحضر والريف، ولكنها تراوحت ما بين مناطق شعبية فقيرة ومهمشة الى مناطق الطبقة الوسطى والوسطى العليا فيما يتعلق بسياسة الحملة الانتخابية. وكان للشباب دور اساسي في طرح مبادرات جديدة وعملية نقد ذاتي ساهمت كثيرا في فك المركزية واتاحة الفرصة للأفكار الجدية وكذلك تطوير العمل داخل الحملة.

التوصيات:

الإطار القانوني للنظام الانتخابي:

1-    المعايير الخاصة بالدوائر الانتخابية وإعادة تقسيمها حيث هناك إجماع على عدم عدالة التقسيم الحالي.

2-    الاستفادة من التجارب الدولية في وضع نظام يلائم واقعنا.

3-    هناك وجهتي نظر حول النظام الفردي ونظام القوائم سوف تظلان مطروحتان وعلينا اختيار الأفضل للمرحلة الراهنة.

4-    ضرورة تحديد نظام للعتبة الانتخابية وتوزيع الكسور بما يضمن توزيع عادل على القوائم المختلفة.

5-    لابد من وجود قانون شامل وموحد للحقوق السياسية يشمل كيفية تنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والمحلية ويشتمل على مواد تنظم الإنفاق الانتخابي ويضمن الشفافية فيما يتعلق بتمويل الحملات الانتخابية.

6-    فتح حوار موسع حول المفوضية الوطنية العليا للانتخابات والمنصوص عليها في الدستور لمناقشة كيفية تشكيلها وعلاقتها ببقية مؤسسات الدولة وضمانات حياديتها ونزاهة وشفافية إجراءاتها.

تحديات مراقبة الانتخابات:

1-    ضرورة وجود لوائح واضحة لإدارة اليوم الانتخابي.

2-    ضرورة فتح حوار بين هيئات ومنظمات المجتمع المدني الدولية والمحلية المعنية بالرقابة على الانتخابات وبين اللجنة القضائية العليا للانتخابات بشكلها الحالي والمفوضية الوطنية العليا للانتخابات مستقبلا.

3-    تقريب وتنمية الوعي بمفهوم الرقابة لكافة الأطراف (الاطراف السياسية- اللجنة المشرفة على الانتخابات- والقائمين على الرقابة)

4-    أهمية التحضير والتجهيز والتدريب الخاصة بالمراقبين بدأ من الحيادية وصولا للدور الواجب على المراقب القيام به وكيفية القيام به.

5-    الرقابة عملية لا تتعلق باليوم الانتخابي فقط وإنما بالعملية الانتخابية ككل بدئا من مرحلة الدعاية الانتخابية وحتى انتهاء اليوم الانتخابي وإعلان النتائج.

6-    ضرورة الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة في تحقيق التعاون بين المجتمع المدني والجهات المشرفة على الانتخابات والاستفتاءات وضرورة النظر في التجربة اللبنانية.

7-    ميثاق شرف للرقابة على الانتخابات بين منظمات المجتمع المدني.

تجربة مشاركة الشباب في الانتخابات البرلمانية:

1-    الاشتباك مع مبادرات شبابية علي الأرض وعكسها في تشريعات لتمكين الشباب.

2-    إجراءات تسمح للشباب بالمنافسة، سواء فيما يتعلق بموقعهم في القوائم الانتخابية، او تقسيم الدوائر بشكل ملائم لهم.

3-    فك حالة الاستقطاب المدني- الديني لصالح الشباب، عن طريق فكرة القيم والدعوة لها بديلا عن حالة التناحر بين المتنافسين.

4-    عدم فصل المشاركة السياسية عن المشاركة الاجتماعية والشعور بالمسئولية الاجتماعية.

5-    ضرورة دعم الأحزاب والشخصيات ذات الشعبية للشباب والدفع بهم في الانتخابات المحلية والتشريعية.

6-    على الشباب ابتكار وسائل دعاية في الحملات الانتخابية مناسبة لطبيعتهم وملائمة للمجتمع.

7-    دعم التواصل بين أفراد الحملات الانتخابية فيما بعد الانتخابات لتقوية هذه الشبكات لتمثل نواة لحركات شبابية مرتبطة بالعمل السياسي.

 

المتحدث الرئيسي: الأستاذ هانئ رسلان، رئيس وحدة دراسات السودان وحوض النيل والخبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام.

يدير اللقاء: الدكتور عمرو الشوبكي

تكمن أهمية هذه الندوة في إدراك مدى التشابه والاختلاف فيما يتعلق بالسياق المصاحب لتجربة وصول الحركات الإسلامية للحكم في الحالتين المصرية والسودانية، وذلك ليس بمنطق الاستنساخ وانما بمنطق الاستفادة من التجارب المختلفة في سياقنا المصري، كما أن الكثيرين يقومون بتصنيف تجربة وصول الإسلاميين للحكم في السودان على أنها تجربة فاشلة، ولكنهم في ذات الوقت يشيدون ببعض تجارب الحكم الإسلامي الأخرى كتجربة العدالة والتنمية في تركيا، ومن ثم فإنه من الأهمية بمكان معرفة حدود التقاطع والاختلاف ما بين التجربتين المصرية والسودانية.

كلمة الأستاذ هانئ رسلان

بادئ ذي بدء أعتبر أن هذا اللقاء هو مجرد تقديم قراءة أولية للوضع في السودان وتجربة الحركة الإسلامية الحديثة في السودان تحمل الخطوط العامه لهذه التجربه دون الخوض فى الكثير من التفاصيل، وأريد أن أشير أيضا إلى أنه يتواجد معنا الآن الاستاذ المحجوب عبد السلام وهو المتحدث الرسمى باسم حزب المؤتمر الشعبى السوداني فى الخارج، وهو الحزب الذى يقوده الدكتور حسن الترابي، حيث يمكن لنا أن نستفيد من تعقيباته وملاحظاته خلال هذا اللقاء وما سوف يعقبه من مناقشات.

حين نلاحظ تاريخ الحركة الإسلامية الحديثه في السودان منذ أربعينيات القرن الماضي، نجد أن تسميتها تتغير بتغير المراحل، فكانت في أربعينيات القرن المنصرم حين دخلت إلى السودان قادمة من مصر كانت تسمى بالإخوان المسلمين بقيادة علي طالب الله، وحينما استقل السودان عن مصر عام 1956، واجه الطلاب الإسلاميون في الجامعات السودانية التحدى الخاص بانتشار التيار اليساري داخل الجامعات السودانية، وعندما عاد الدكتور حسن الترابي من البعثة العلمية عام 1964 شارك فى ثورة أكتوبر 1964 ضد حكم الجنرال إبراهيم عبود، وتحول الترابي لأحد رموز العمل السياسي في السودان.

فى ذلك الوقت كانت حركة الإخوان فى السودان تلتزم بنفس منهج الإخوان المسلمين في مصر وهو منهج التربية، ولكن الترابي رأى أن فكر الإخوان في مصر ليس بالضرورة قابل للتطبيق كما هو في السودان، وإنما يجب أن تنخرط فى العمل السياسي المباشر واختار لذلك صيغة العمل الجبهوي، لذلك قام بالتحالف مع جماعة أنصار السنة المحمدية وجماعات إسلامية أخرى، وقاموا بعمل جبهة الميثاق الإسلامي التي دخلت الانتخابات البرلمانية في عام 1964، وحصدت ثلاث مقاعد فقط، ثم جاء انقلاب مايو 1969 واصبح نهج الترابي ذا الطابع الحركى المشتبك مع الواقع هو المسيطر على الحركة الإسلامية في السودان، بديلا عن نهج الإخوان الصفوي القائم على التربية.

وعبر قيادة الترابي للحركة الإسلامية الحديثة للسودان، بدا وأن هناك نهجا خاصا أو متفردا لهذه الحركة ظهر فى ثلاثة سمات أساسية، على النحو التالى:

1. مبدأ الزامية الشورى: بمعنى أن الشورى ملزمة وليست معلمة باعتبار أن ولي الأمر ليس معصوما، وبالتالي أصبحت الحركة الإسلامية في السودان تحمل قيما ديمقراطية، وألزمت نفسها كتنظيم بمبدأ الشورى فى كل المستويات.

2. ازالة القيود الخاصة بحقوق المرأة السياسية والاجتماعية، وأن الإسلام ليس له علاقة بوضع قيود على مشاركة المرأة في المجال العام، وإنما هي مجرد تقاليد مجتمعية مغلوطة، وكتب الترابي رسالة فى هذا الموضوع حظيت بالرواج والانتشار الواسع.

3. مبدأ تجديد أصول الدين: بمعنى ليس العودة إلى الأصول ولكن النظر فى تجديدها أيضا.

فى هذا السياق كانت الحركة تبدو واعدة جدا بأطروحاتها الجديدة والمرنة، وعلى مستوى الحركة كانت تضم قيادات شبابية ومتعلمه وتتبع استراتيجية براجماتيه في العمل السياسي، وبعد الصدام العسكري 1976 بين الحكومة والمعارضة حدثت مصالحة ما بين الرئيس السوداني جعفر نميري، والجبهة الوطنية المعارضه التى كانت الحركة الإسلامية الحديثة جزءا منها، ومن خلال تلك المصالحة سعى الترابي إلى توسيع مجالات العمل أمام الحركة فى كل الاتجاهات، ليس من خلال المجال الدعوي فحسب، ولكن أيضا من خلال العمل المجتمعى الواسع عبر واجهات عدة شبابية ونسائية، وأيضا تبني فكرة الاقتصاد الإسلامي كبنك فيصل، ثم عمد إلى مضاعفة عضوية الحركة بشكل مخطط ومنظم من خلال تنشيط عملية التجنيد لطلاب المدارس الثانوية والجامعات.

وبعد سقوط نظام نميرى ظهرت المفاجأة في أول انتخابات ديمقراطية في السودان عام 1986، بحيث حصلت الجبهة القومية الإسلامية (الاسم الجديد للتنظيم) على 51 مقعدا من مقاعد البرلمان السوداني، وجاءت في المركز الثالث بعد حزبي الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي (اللذين حصلا على 101 و61 مقعدا على التوالى)، فأصبحت جبهة الترابي قوة أساسية صاعدة بقوة فى الحياة السياسية السودانية.

بعد تحركات وتفعلات عديدة، اصبح واضحا أن الائتلافات الحاكمه فى ذلك الوقت والتى كان يقودها الصادق المهدى كرئيس للحكومة تعانى من الضعف وتجمعت فى الافق نذر النقلابات العسكرية، غير أن الجبهة القومية الإسلامية سبق الجميع بانقلابها العسكري في 30 يونيو 1989 الذى اتخذ مسمى "ثورة الانقاذ الوطنى".

ويمكن القول باختصار بأن هذا الانقلاب هو الذي أدى إلى كل ما تعانيه السودان حتى وقتنا هذا سواء فيما يتعلق بانفصال جنوب السودان، أو بالمعاناة الاقتصادية، ويمكن إرجاع ذلك إلى تغير خطاب الحركة الإسلامية في السودان بعد وصولها للحكم إلى العكس من منهجها تماما، فعندما وصلت الجبهة إلى الحكم كان سلوكها العملى مغايرا تماما لما كانت تبشر به من خطاب سياسى ديمقراطى واتبعت وسائل قمع وتعذيب لم تكن معروفة فى السودان. وقد برر الترابي هذه الخطوة المفاجئه بان الجبهة كان من غير الممكن أن تصل إلى الحكم عبر الطريق الديمقراطى لوجود "فيتو" عليها من الغرب ومن بعض القوى الداخلية. وكان من المثير للغاية متابعة عملية التموية والاخفاء المعقدة التى قامت بها الجبهة، حيث قام الترابي –إثر الانقلاب العسكري- بادخال نفسه إلى السجن لعدة أشهر مع باقى الزعماء السياسيين الآخرين مثل الصادق المهدي ومحمد عثمان الميرغني ومحمد إبراهيم نقد وغيرهم.

وكان من السمات البارزة فى هذه المرحلة أيضا ظهور إزدواجية السلطة، حيث كان هناك مستوى ظاهر هو مجلس قيادة الثورة وحكومة ووزراء وههم يقودودن البلاد اسميا، ولكن السلطة الفعلية كانت فى يد الترابي وعدد من الشخصيات ذات العضوية فيما عرف باسم "المجلس الأربعينى"، وهذا المجلس هو الذى كان يقود السودان فعليا ويضع الخطط ويتخذ القرارات، ثم يتم إرسالها بعد ذلك إلى الشكل السلطوى الظاهر لكى يتم إعلانه، وهناك مقولة شهيرة فى الأدبيات السياسية السودانية منسوبة للترابى فى وصف للانقلاب "لقد ذهبت إلى السجن أسيرا وارسلته إلى القصر رئيسا"، متحدثا بذلك عن عمر البشير الذى كان مجرد ضابط منتمى للجبهة القومية الإسلامية داخل الجيش السودانى.

مع الوقت برزت إشكالية ازدواجية السلطة في السودان، فضلا عن استخدام العنف والتعذيب داخل السجون وابتداع ما سمى "بيوت الاشباح"، وكانت مرحلة شديدة القسوة في التاريخ السوداني الحديث، واستمرت حتى عام 1996، وتحول الاقتصاد السوداني إلى اقتصاد السوق الحر، وتم اعفاء الدولة من كافة أعباء الانفاق العام، واطلاق حرية السوق لعدم وجود موارد في الدولة، كما تزامن مع ذلك عمل صيغة الدفاع الشعبي للقتال فى الحرب الاهلية فى الجنوب بمعنى تدريب المواطنين المدنيين، وعسكرة المجتمع بأكمله ضد الجنوب، مما أدى إلى هزيمة الحركة الشعبية لتحرير السودان في بشكل كبير كاد يقضى عليها فيما عرف باسم "صيف العبور" عام 1994، ولكنها استطاعت ان تسترد مواقعها مرة أخرى فيما بعد.

وتجدر الاشارة هنا إلى أن فكر الترابي وسلوك تنظيمه بعد الانقلاب تمحور حول فكرة محورية هي فكرة "التمكين"، وكان هناك اعتقاد انه بعد وصل التنظيم إلى السلطة أصبح هو الدولة لذلك قام الترابي بحل الجبهة القومية الإسلامية، وفى سبيل تنفيذ التمكين تم اتخاذ خطوات ممنهجة: 1- الاعلان عن عملية تطهير واسعة لأنصار القوى السياسية الأخرى عبر تسريح عشرات الآلاف الموظفين من جهاز الخدمة المدنية "للصالح العام". 2- تم تحويل كوادر وقيادات جهاز أمن الجبهة القومية الإسلامية إلى جهاز الامن والمخابرات السودانى. 3- كما تم تطهير المؤسسة العسكرية بإخراج كل كبار الضباط إلى التقاعد ثم قصر القبول فى الكلية الحربية السودانية على أبناء الجبهة القومية الإسلامية والموالين لها، وأصبح الجيش السوداني مجرد فرع في التنظيم الإسلامي (الجبهة القومية الإسلامية). 4- امتدت عمليات التطهير ايضا لمؤسسة القضاء بحجة الحفاظ على الصالح العام.

وفى هذا السياق اتبعت الجبهة سياسية فتح أراضي السودان لكل الحركات الإسلامية فى العالم فجاء بن لادن والظواهرى وتنظيم الجهاد وآخرون كثيرون ومنحت لهم جوازات سفر وأماكن للاقامة ومزارع للتدريب، كما جاء "كارلوس" أيضا، والذى تم بيعه وتسليمه فى عملية سرية لصالح جهاز الاستخبارات الفرنسية فيما بعد.

وفى الداخل أدت سياسات الحركة الإسلامية في السودان في سياق مجتمعي تعددي من الناحيتين الاثنية والثقافية، وفي ظل وهن المعارضة السودانية، إلى احتكار كامل من الحركة الإسلامية بقيادة الترابي للسلطة السياسية في البلاد باستخدام المنهج البرجماتي الذي يعتمد على فقه الضرورة من منطلق "الضرورات تبيح المحظورات"، بمعنى أنه يتم التحلل من القواعد الفقهية والشرعية عند الحاجة لحساب السلطة وما تمليه عليها مصالحها، فى حين يتم إشهار هذه القواعد ضد الآخرين واستخدامها ضدهم طوال الوقت مع كثافة الخطاب الإسلامى واطلاق ما يسمى المشروع الحضارى.

وإثر العديد من التفاعلات السلبية والتناقضات الناتجه عن وجود سلطة حقيقية باطنة مركزها الترابي وسلطة سياسية ظاهرة مركزها الرئيس عمر البشير ونائبه علي عثمان طه، وصلت الأمور في عام 2000 إلى صدام حقيقي ما بين السلطتين، وانتهى الصدام بنجاح تحالف عمر البشير وعلي عثمان طه في انتزاع السلطة واخراج الترابي فيما عرف باسم "المفاصلة" او الصراع "بيىن القصر والمنشية" حيث يقيم كل من الترابي والبشير. وهكذا انشقت الحركة الإسلامية الحديثة فى السودان على نفسها وتمردت على منظرها الفكرى وقائدها السياسى ورمزها الأشهر حسن الترابي، ونتج عن ذلك صراع مرير ما زال قائما حتى هذه اللحظة.. وبذلك تم اقصاء الدكتور الترابي من المشهد السلطوي في السودان، بل وتم ادخالة السجن لفترة طويله على عدة مراحل. ولكن الترابي من موقعه الجديد كمعارض لنظام الإنقاذ شن حملة فكرية وسياسية عنيفة هدفت إلى نزع الشرعيتين الإسلامية والسياسية عن تلاميذه وأنصاره السابقين، واتهمهم بأنهم نسوا قيم الإسلام وتخلوا عن الفكرة بوصولهم للسلطة، وفضلوا مصالحهم السلطوية على مستقبل المشروع الحضاري الإسلامي.

خروج الترابي من السلطة أدى إلى حدوث خلخلة شديدة في التحالف الحاكم لأن الترابي كان قائدا وزعيما، وكان يهدف إلى بناء تنظيم عالمي مواز لفكرة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين قائم على ما يشبه الكونفدراليه التى تقوم على التنسيق والتآزر وليس على العلاقة العضوية التى يعتمدها التنظيم الإخوانى. فلجأ الشيخ الترابي للتواصل مع الحركات الإسلامية في آسيا وفى المهاجر فى أوروبا والولايات المتحده، ووثق صلاته بها.

تواكب مع خروج الترابي من السلطة الغضب الأمريكي الناتج عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر في 2001، فحرص نظام الانقاذ (البشير – على عثمان طه) على تحاشي الغضب فتم تسليم ملفات كل الإسلاميين الجهاديين الذيمن كانوا فى السودان إلى المخابرات الامريكية، وكانت هناك محاولة سابقة فى عام 1997 لتسليم بن لادن –إبان إقامته فى السودان– إلى واشنطن ولكن هذه الأخيرة لم تقبل ذلك، فتم ترحيل الرجل إلى افغانستان.. فى هذه الاجواء كان جورج بوش الابن قد قام فى سبتمبر 2001 بتعيين ميبعوث رئاسي أمريكى لتسوية الحرب الأهلية فى السودان بين الشمال والجنوب، الامر الذى رحبت به الخرطوم بحثا عن شرعيه جديدة بديلا عن شرعية المشروع الحضارى والفكرة الإسلامية التى اهتزت بشدة اثر خروج الترابي وهجومه اعنيف عن النظام.. هذه الشرعية الجديدة كانت تعتمد على ايجاد سلام واستقرار وتحول ديمقراطى وتنمية بديلا عن الاستمرار فى الحرب الاهلية فى الجنوب عبر عملية التسوية التى اطلقتها واشرفت عليها واشنطن، وهو ما انتهى فى يناير 2005 بتوقيع "اتفاقية نيفاشا"، ذلك الاتفاق الذي تضمن منح حق تقرير المصير لجنوب السودان وانتهى بانفصال الجنوب في يوليو 2011. ومع ذلك لم يتحقق السلام حيث استمرت الحرب مشتعله فى مناطق جنوب كردفان والنيل الازرق ودارفور وجميعا تقع فى شمال السودان، كما زادت الضائقة الاقتصادية إلى حد كبير بعد ان فقد السودان ثلاثة ارباع النفط مع انفصال الجنوب، وزاد الأمر سوءا التوترات والحالة الصراعية مع دولة جنوب السودان الجديدة بسبب الكثير من القضايا العالقة بين الطرفين.

هكذا اصبح نظام الانقاذ مضطر للبحث عن شرعية جديدة تسند بقاءه فى الحكم، فعاد مرة اخرى بعد بقاءه فى السلطة لاكثر من 23 عاما للحديث عن الشريعة الإسلامية وعن تطبيقها بنسبة مائه فى المائه.

ما يحدث في مصر الآن هو أن الحركة الإسلامية الحاكمة تبدأ من نقطة متأخرة جدا عن نظيرتها في السودان التى تولت مقاليد الحكم عام 1989، وهى تحمل خطابا تنويريا يقول بالديمقراطية وإدماج المرأة وتجديد إصول الدين، وبالرغم من ذلك تحولت إلى الاستبداد والقمع والتنكيل بالخصوم.. وفى المقابل نجد أن الإخوان المسلمين فى مصر قد انتقلوا –أو على الأقل قطاع مؤثر منهم- من أفكار حسن البنا التنويرية التربوية إلى أفكار سيد قطب الانقلابية السلطوية.

تعقيب د. عمرو الشوبكي

أبدى الدكتور الشوبكي ثلاثة تساؤلات أساسية:

1. كيف يمكن أن يرتب حزب ترتيبه الثالث ما بين القوى السياسية لانقلاب عسكري وهو غير مضطهد، وبالأخص حينما يمتلك جانب قيمي وأخلاقي في فكره؟

2. هل يمكن أن نعتبر أن انقلاب 1989 هو جزء من بقايا عالم قديم كان موجود في العالم العربي وان الصيغ الجديدة للتيارات الإسلامية قد تتغير؟

3. هل هناك فروق بين الدولتين المصرية والسودانية فيما يتعلق بمؤسساتهما كالقضاء والمؤسسة العسكرية والأمنية والبيروقراطية المصرية؟

كلمة الأستاذ المحجوب عبد السلام

لقد قمت بكتابة كتاب بعنوان "الحركة الإسلامية السودانية دائرة الضوء وخيوط الظلام.. العشرية الأولى من نظام الانقاذ " فى عام 2009، ورأيت أن هذا الكتاب سيكون مهما في ظل السياق المصري، لأن الاستفادة من التجارب أمر مهم ومفيد بالنسبة للتحول الديمقراطي، وهنا تجدر الاشارة إلى أن هناك فارقا في طبيعة الدولة والمجتمع بين التجربتين، فالمجتمع المصري متطور عن نظيره السوداني، فلديه الأزهر والكنيسة، ولكن المجتمع السوداني هو مجتمع ما قبل سياسي، وتعتبر القبيلة الوحدة الأساسية فيه، وكانت هناك ملامح لشكل الدولة الحديثة ولكن في ظل الحكم الإسلامي تحول إلى شكل الطائفية، فالمفكر تيجانى عبد القادر قال القبيلة والمال والأمن هم مكونات فشل التجربة السودانية، فكانت حركة واعدة جدا أفرغتها السلطة من مضمونها، فلفظ إسلامي في السودان الآن أصبح يرتبط بالفساد.

فعندما قام الترابي بالانقلاب على السلطة استلم السلطة بانقلاب عسكري يضم عددا كبيرا من المدنيين يفوق عدد العسكريين، كما أن المفكر الايطالي جرامشي يقول "الوسيلة التي تصل بها للسلطة تحدد تعاملك معها"، وبالتالي مارست الحركة الإسلامية العنف بشدة على الاحزاب المتنافسة معها.

حوارات ومداخلات القاعة

جاءت مداخلات القاعة مرتكزة على الموضوعات التالية:

· رأى بعض المشاركين استحالة تكرار التجربة السودانية في مصر لأنها كانت حركة صوفية، في حين هناك تنوع في الحركة الإسلامية في مصر، فهناك الإخوان المسلمون والمنشقون عنهم والسلفيون والجهاديون، وهذا التنوع سيحول دون سيطرة الإخوان على مفاصل الحكم في مصر، ورأى البعض الآخر أن هناك غياب لأي مشروع فكري تنظيري لقيادات الإخوان في مصر بعكس رؤية الترابي كمفكر وسياسي عميق المنهج.

· تساءل بعض الحاضرين عن امكانية تأثير انفصال جنوب السودان على حصة مصر من مياه النيل، كما تساءل البعض الآخر عما اذا كان من الممكن أن يتحول الحراك الشبابي السوداني إلى ثورة أو تفكك الدولة السودانية.

· البعد الاقليمي والأطراف التي تدعم الحكم الإسلامي في السودان؟ وما تأثير الحكم الإسلامي في مصر على الأوضاع في السودان، وما هو وضع النشطاء السودانيين هناك.

تعقيب ختامي: الأستاذ هانئ رسلان

النقاط التي اثيرت في غاية الأهمية والعمق، البشير لم ينقلب على الترابي وهو كان أحد عناصر التنظيم الإسلامي في الجيش وجرى تكليفه بأن يكون رئيس مجلس قيادة الثورة، وحينما حدثت المفاصله بين الطرفين سنة 2000، كانت صراعا بين السلطتين الباطنة والظاهرة، فالبشير لم ينقلب على الترابي وإنما كان هناك اختلاف على ادارة السلطة، فكانت فتنة وانشقاق في الصف داخل الجبهة انتهت لصالح من يمتلك أدوات الدولة.

كما أن خطاب الحركة الإسلامية عموما هو خطاب مستوحى من النص الإسلامي، وقدم اجتهاده في فهم النص على أنه صورة براقة مقبولة من الناس قبل وصوله للسلطة ولكن عندما وصل للسلطة لم يطبق ذلك الخطاب، وماحدث فى الواقع ان الحركة الإسلامية اعتبرت ان وصول اعضاءها إلى السلطة هو تعبير مباشر عن الحكم الإسلامى فليست هناك تعريفات واضحه او مقومات محدده لما يقولون انه مجتمع إسلامى او دولة إسلامية: أي متى يكون المجتمع او الدولة إسلاميا ومتى لا يكون كذلك؟.. كما أن التوسع فيما يعرف باسم "فقه الواقع" أو "فقه الضرورة" يجعل الأمور تدار بطريقة براجماتية تتحول فيما بعد إلى انتهازية ومكيافيلية صريحه.. وفى المقابل فان مفهوم "التمكين" يتحول فى التطبيق إلى استبداد مطلق ضد الاخر حتى لو كان هذا الاخر منطلقا من فهم مغاير للإسلام ذاته.

وهناك غموض فالفكرة بشكل عام تعتمد على شعارات عامة قريبة من وجدان وثقافة أي مسلم مثل المجتمع الإسلامى والدولة الإسلامية ولكن دون وجود تصور عملي أو محدد للتطبيق ومع سيادة فكر الوصاية والاستعلاء، فالهدف هو الوصول للسلطة، واعتقد أن الفكرة واحدة فيما يتعلق بفكرة الوصاية على الفكر فيما بين الحركات الإسلامية بصفة عامة في مرحلة التمكين.

فى الحالة السودانية نجد أن هناك عدم اكتمال لمشروع الدولة الوطنية، لذلك مع تسييد فكر وإحدى الاتجاه ومحاولة فرضه على مجتمع متعدد اثنيا وثقافيا وجهويا، كانت النتيجة هى الانفصال ثم تمرد الاطراف، أما فى مصر فالدولة قديمة ولن تتفكك بسهولة ولكنها قد تتحول إلى دولة فاشله ثم دولة منهارة إلى تعرضت إلى نفس التجربة. فالدولة المصرية أقوى من المجتمع على عكس الحالة السودانية، ومن ثم اذا اكتملت عملية التمكين –هذا أمرا ليس بالسهل حدوثه– فسوف تستمر السيطرة والبقاء طويلا مع التفكك والتحلل في مؤسسات الدولة وقدرتها على الاداء وتفلت بعض الاطراف كما يحدث الأن فى سيناء والذى من الممكن أن يتكرر فى مناطق ومواضع أخرى.

 

نظم منتدى البدائل العربي للدراسات ندوة حول "العلاقات المصرية الأمريكية.. بين الثبات وضرورة التغيير"، وذلك بمقر المنتدى بتاريخ 2 أكتوبر 2012، ادار الجلسة السفير/ شكري فؤاد (دبلوماسي سابق ووكيل مؤسسي حزب الدستور) وتحدث فيها كل من د. عز الدين شكري فشير أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية، أ/ محمد المنشاوي (مدير مكتب صحيفة الشروق وباحث بمعهد الشرق الأوسط بواشنطن).

وقد تناولت الندوة موضوعات عدة من أهمها الصور النمطية المتبادلة بين الولايات المتحدة والدول العربية والاسلامية وأثرها في العلاقات بين هذه الدول والولايات المتحدة، كما تناولت بالتحليل ملامح التغير والثبات في السياسة الخارجية لمصر ما بعد الثورة، واستعرض المتحدثان الدور الذي تقوم به وزارة الخارجية في صنع السياسة الخارجية وواجبات إصلاحه ضمن إصلاح بقية مؤسسات الدولة، كما تعرضا لتأثير الرأي العام المصري والأمريكي على السياسة الخارجية للبلدين ومدى حساسية صانع القرار في كلا البلدين لها، كما تناولا موضوع الترتيبات الأمريكية الجديدة للتعامل مع الربيع العربي ودوله في ضوء الأحداث والمتغيرات على الساحة.

المتحدث الأول: د. عز الدين شكري-أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية

سوف أتناول عدة موضوعات في هذا الصدد مبنية على مشاهدات لكيفية ممارسة هذه العلاقات.

هناك علاقة بين الرأي العام والسياسة الخارجية في معظم النظم الديمقراطية، في العلاقات المصرية الأمريكية الرأي العام يلعب دورا رئيسيا فى تشكيل تلك العلاقة، فهو يشكل قيدا على صانع القرار في معظم الأحيان، وهو أمر وارد فى كل النظم لكن فى النظم السلطوية يشتد الضغط من الرأى العام مع تبني النظام لما يمكن تسميته معامل أمان، فالصورة التى يرسمها الرأى العام عن المجتمع الأمريكى تساهم فى تشكيل رؤية صانع القرار.

الولايات المتحدة دولة عظمى متغلغلة وفائقة القوة، هذه هي الصورة السائدة عنها في ذهن صانع القرار وفى ذهن الرأى العام بحيث يرى البعض أنها متحكمة في كثير من الأمور وتسيرها وتتحكم فى الإعلام بل فى الحكام أنفسهم وفي اتجاه مناوئ للإرادة الداخلية.

من ناحية العلاقات والسلوك بين الدولتين: هناك ضرورة لإصلاح هذه العلاقات حيث تعانى من اختلالات هيكلية فما يقال علنا غير السياسة الفعلية فمثلا الادانة العلنية المصرية لحرب العراق في حين ان النظام المصري كان يقدم تسهيلات لوجيستية كبيرة، النخبة الحاكمة في مصر تبغض الولايات المتحدة وتشارك الجماهير ذات الصورة النمطية عنها ولكنها تترجم هذه الصورة لنمط من التعاون الحذر وسياسة التسويف وهى نفس سياسة الفلاح المقهور مع البنك، هناك فخر لدى النخبة بمخالفة التوجيهات الأمريكية ولو كلاميا، هذه العلاقة مبنية على عدم رغبة واقتناع بالخطأ.

أنماط العلاقات:

- رد الفعل كالمساعدة فى العراق وهى سمة غالبة للعلاقات.

- موقع الدفاع.

- موقع الطلب وهو يختلف عن المبادرة.

من ناحية الولايات المتحدة ليس مهما ما يقال لكن المهم ما ينفذ علنا على الأرض، العرب ليسوا طرفا في تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية وإنما ننتظر المخرج النهائي لها وهذا ليس متلازما مع عهد مبارك وإنما منذ الستينيات حيث كان الوجود المصري فى واشنطن منعدما، وهذا بخلاف النظرة الاسرائيلية لعملية صنع السياسة الخارجية الأمريكية، حيث يرون أن هذه العملية يمكن التدخل فيها وتوجيهها باتجاه مصالح مشتركة بينما نحن نتعامل مع المخرج النهائي باعتباره حتميات لا يمكن التأثير فيها.

إصلاح هذه العلاقة يتطلب:

إعادة تعريف الطرف الأخر (الصورة النمطية عن الولايات المتحدة) وهل هذه الصورة مفيدة أم لا؟ ومن ثم تغيير هذه الصورة اقترابا من الواقع فلا يجب المبالغة فى تقدير قوتها أو التهوين من شأنها وإعادة تقدير هيكل القوى في النظام الدولي بحيث أننا لا نقول أن القوى الأخرى هي بديلة للولايات المتحدة، وأن نعلم أن ليس هناك قوة عظمى مطلقة وإنما مظاهر القوة وعناصرها تتفاوت.

إن الولايات المتحدة لديها فاعلين كثيرين غير مصر ومن ثم فعلينا تقدير حجمنا في الرؤية الأمريكية ومن ثم لابد من التنسيق مع قوى إقليمية أخرى كإيران وتركيا والبرازيل والصين دون اعتبارهم بديلا عن الولايات المتحدة أو معسكرا مضادا لها، فلو كان لدينا علاقات مع إيران منذ 10 سنوات كان يمكن لنا أن نلعب دور الوسيط في التفاوض حول برنامجها النووي وضمان سلميته وهو ما يتيح لنا مرونة فى مواقف أخرى.

لابد أن يكون لدينا رؤية لهذه العلاقات، وخطط واستراتيجيات للتعامل معها، ومن ثم استباقهم في الخطوات لكي نأخذ زمام المبادرة بعكس الصور النمطية عن الفعل المصري، المبادرة العربية للسلام 2002 والتى تجمدت حتى 2005 وعندما اجتمعت الدول العربية حولها في 2005 ودعوة الدول لمناقشتها في مجلس الأمن، ومن ثم تناقشت الدول الخمس دائمة العضوية بعد أن فوجئت بالتصعيد وظلت القيادة فى هذا الموضوع لمدة 9 شهور لمصر والسعودية والأردن إلى أن تكاسلت الدول العربية نفسها عن متابعة المبادرة ومن ثم اتجهت الدول الكبرى إلى أنابوليس.

العلاقات المصرية الأمريكية تحتاج إلى توسيع وتعميق فأمريكا ليست فقط الإدارة الأمريكية وإنما هناك الكونجرس ومراكز الأبحاث ووزارة الخارجية، وجماعات الضغط، ومن ثم نحتاج إلى صوت مصري داخل هذه المؤسسات من خلال تمويل برنامج للدراسات العربية في الولايات المتحدة وجمعيات للمصريين الأمريكيين والأكاديميين.

هناك قضايا إقليمية أخرى قد تخرج عن ثلاثية مصر وأمريكا وإسرائيل مثل العراق وأفغانستان والسودان ونحن مفتاح قضايا اقليمية أخرى يمكن أن ننشط فيها لمصالحنا، الولايات المتحدة فى حالة انكماش في الشرق الأوسط وهو ما يعطينا قدرة على المناورة وتنويع علاقاتنا وملء هذا الفراغ.

المتحدث الثاني أ/ محمد المنشاوي- مدير مكتب الشروق وباحث بمعهد الشرق الأوسط بواشنطن

ملاحظات صحفية حول العلاقات المصرية الأمريكية:

في سنة 1972 لم يكن هناك علاقات مصرية أمريكية حين طرد السادات الخبراء السوفييت، لم يفهم الأمريكيون هذه الخطوة في البداية ولكنها كان إشارة لمحاولة دخول التيار الأمريكي بعد الحرب ولكن هذه الخطوة كانت تنم عن فشل في مدركات السادات للقوة الأمريكية فقد كان يمكنه الحصول علي مقابل كبير في هذه الخطوة، وهذا الفشل في الادراك توارثه مبارك.

المركزية في فهم الولايات المتحدة الأمريكية هي عائق كبير في طريق فهم العلاقات فواشنطن مركز الحكم جغرافيا لكن أمريكا لا مركزية بشكل كبير نادرا ما نجد لا مركزية مصرية فى التعامل مع الولايات المتحدة، التعامل مع الولايات مهم في السياسة الأمريكية فمساحة الأسرار صغيرة جدا.

أكبر سفارة مصرية موجودة في واشنطن، وثالث أكبر سفارة أمريكية في العالم هي في القاهرة، في مؤتمر أنابوليس مثلا كان المركز الإعلامي للمؤتمر مليئا بالصحفيين الإسرائيلين في حين لم يكن هناك أكثر من مصريين اثنين، وهي ليست مشكلة موارد وإنما فهم وتقدير للقوة.

ماذا يريد منا الأمريكيين:

مصالح الولايات المتحدة شبه ثابتة منذ بدء العلاقات معها، لكننا لسنا نعلم ماذا نريد من الأمريكيين، علاقات عسكرية قوية بعضها علني فى الجانب الأمريكي لكنها سرية بشكل كبير في مصر، دعم لوجيستي كبير في حرب العراق، وزيارات وفود عسكرية متكررة، مبنى الملحق العسكري في واشنطن أكبر من السفارة المصرية، المساعدات العسكرية ثابتة 1.3 مليار دولار رغم كافة المطالبات سواء من الجانب الأمريكي لإيقافها أو من الجانب المصري للاستغناء عنها. وهى تشكل ما قيمته 40% من ميزانية الجيش المصري بحسب تقديرات بعض الباحثين، تسليح الجيش المصري بأسلحة أمريكية هو هدف ومصلحة قومية أمريكية.

الجانب المخابراتي قوي جدا فالتعاون في مجال التعذيب خصوصا على خلفية الحرب على الإرهاب وهناك تعاون مخابراتي مصري بدون مقابل بشكل كبير.

من يدير ملفات مصر في واشنطن؟

وزارة الدفاع وجهاز المخابرات، والملفات التى تهم هاتين الجهتين لم تتأثر بشكل كبير رغم كل التقلبات في الجوانب السياسية في العلاقة.

الملف الاسرائيلي: العامل الاسرائيلي هو المحدد الرئيس للعلاقات المصرية الأمريكية واللوبي اليهودي مسيطر على هذه العلاقة ومن ثم نحتاج إلى الخروج من ثلاثية العلاقة.

لقطات منذ اندلاع الثورة:

كغيرها لم تتوقع الادارة الأمريكية حدوث هذه الثورة وعولت كثيرا علي قوة الدولة المصرية وبايدن كان يقول على مبارك أنه ليس ديكتاتورا، بينما كان هناك صراع بين فريقين داخل ادارة أوباما ما بين المنادين بوتير أسرع للديمقراطية والواقعيين المتخوفين من قدوم الإسلاميين.

بعد كل ما قيل عن ان أمريكا هى الفاعل الرئيس في مصر أصبحت الولايات المتحدة محاصرة فى مصر.

زيارة مرسي لواشنطن ومقابلة الجالية، كانت فاعلية قوية جدا أشبه بفرح مصري في واشنطن وكان لقاءً مفتوحا على عكس ما كان يحدث في عهد مبارك ونجله جمال.

طلبت كلينتون مقابلة الرئيس مرسي وقابلها لــ45 دقيقة وتم فيها مناقشة أمرين مهمين: سيناء وليبيا ومسألة الجهاديين من جانب ودور دول الجوار فيهما من جانب آخر، وما يمكن أن تقوم به مصر في هذين الأمرين.

مداخلات القاعة:

دارت المداخلات في مجملها حول موضوعين رئيسيين:

أولها أثر الرأي العام والصور النمطية علي العلاقات المصرية الأمريكية: وكانت الأسئلة في هذا المحور من قبيل:

كيف ترون التعاطي مع أحداث الحادي عشر من سبتمبر فى ضوء الصور النمطية ودور السينما الأمريكية فى صناعة هذه الصورة؟

الصور النمطية عن الولايات المتحدة ليست فقط في مصر وإنما حتى في فرنسا ذاتها فكيف يمكن كسر هذه الصورة؟ بالنسبة للخطط الأمريكية وهل لم تكن مراكز البحوث تجهز لما بعد مبارك ورؤيتهم لقوة التيارات الاسلامية؟

وثانيها يدور حول ردود الفعل الأمريكية على صعود القوى الإسلامية فيما بعد الثورة، وكانت الأسئلة في هذا المحور من قبيل:

ماذا عن مستقبل العلاقات المصرية الأمريكية في ظل صعود الإسلاميين وبالذات في القضايا ذات النواحي الأمنية؟ وهل المنطقة سوف تشهد إعادة ترتيب من قبل الولايات المتحدة ؟ فيما يتعلق بأقباط المهجر.. هل سوف يتجه لمزيد من القوة أم التدهور في الولايات المتحدة؟ وكيف سيتم التعامل مع الزخم الطائفي؟

التخوف من صعود الاسلاميين وكيفية التعامل مع الصعود الاسلامي والتغلغل الاقتصادي لرجال الأعمال الإخوان والسلفيين في المجال العام المصري؟ وهل هناك تحول في السياسة الخارجية المصرية تجاه واشنطن؟

مداخلة حول التعامل الأمريكي مع الأزمة السورية ودور الولايات المتحدة في تدعيم أي من الطرفين؟

ردود المتحدثين:

أ/ محمد المنشاوي:

الصورة الذهنية للأمريكيين عن العرب والمسلمين جميعا تأثرت بشكل كبير بعد أحداث 11 سبتمبر، ورسخ هذه الصورة الممارسات السيئة للنظم العربية وهي ممارسات موضوعية.

بالنسبة لمراكز الأبحاث الأمريكية ورؤيتها لمصر لديهم تفاصيل الحياة المصرية لدرجة أن بعضهم يدرس أثر وجود مستشفيات للإخوان على السلوك التصويتى للناس في هذه المنطقة، لكن ثورة 25 يناير كانت فرصة جيدة لتحسين الصورة.

هناك طبقية شديدة في دخول الخارجية وهذه كارثة وتحرم الخارجية من كفاءات ابعدتها سياسات مبارك والاختلالات الاقتصادية الناجمة عنها.

عدم حضور السفراء والمسئولين للمؤتمرات والندوات خوفا من توبيخ النظام السياسي، فلا توجد الشجاعة لديهم للتعبير عن موقف شخصي أو موضوعي.

مسألة كونهم قوى عظمى.. هم بالأرقام قوى عظمى بكل مقاييس القوة، أهم 20 جامعة في العالم منهم 17 جامعة أمريكية آخر 20 نوبل فى العالم أمريكية.

أقباط المهجر وتأثيرهم.. هم ظاهرة صوتية يعطيهم الإعلام المصري زخما، هم لديهم لوبي قوي ويستغلون وجود الوازع الديني في بعض الولايات الأمريكية لكن لا يؤثر بشكل كبير على العلاقات المصرية الأمريكية، ولكن في النهاية قضية الأقباط لابد أن تحل لصالح مصر.

الكونجرس والاسلاميين: ليس هناك صداقات في الكونجرس، العنصر الاسرائيلي مهم في الكونجرس، النظام الأمريكي سوف يتعامل مع أي من كان في السلطة كأمر واقع وهم الآن يتعاملون مع النظام المصري الجديد بمنطق الحذر الشديد، المشكلة الآن هى النخبة الجديدة في مصر وكيف يمكن الاستثمار فيهم.

الانكماش الأمريكي حاصل بحكم التطور التكنولوجي فالصينيين والهنود ينقلون العلم والتكنولوجيا من الولايات المتحدة ويعودون لبلدانهم.

بالنسبة لسوريا: هناك دعوات داخل الولايات المتحدة لتدخل عسكري تحت بنود كثيرة التدخل الدولي الانساني، هناك قلق من الاضطرابات على الحدود الاسرائيلية وكذلك مصير الأسلحة الكيماوية والبيولوجية.

د. عز الدين شكري:

الحديث حول وزارة الخارجية: هى ليست صانع للسياسة الخارجية بل هي منفذ للسياسة الخارجية التي يضعها رأس السلطة التنفيذية، ويستطيع أي رئيس أن يوجهها أو ينحيها جانبا وهذا يحدث في دول أخرى، من أعطى للداخلية مثلا كل هذه الصلاحيات ومن منع وزارة الخارجية؟ إذن المشكلة الحقيقية في الفلسفة السياسية التى توجه الدولة ككل ومن ثم الخارجية كجزء من الجهاز الإداري للدولة.

بالنسبة للسؤال حول 11 سبتمبر وصورة العرب: لم تخلق صورة نمطية للعرب وإنما بلورتها، كل المجتمعات لديها صورة نمطية عن نفسها وعن المجتمعات الأخرى، مسألة قيمة الرأي العام في صنع السياسة الخارجية سوف تظل خلافية لكنني أؤمن بهذا الأثر.

نظام الطاقة في العالم هو صناعة أمريكية انشاء وحماية وهكذا النظام المالي العالمي وهي الأن ينازعها فيه آخرون وهناك هامش للعب أدوار إقليمية ودولية كثيرة والذكي من يستغل هذه الهوامش.

أما عن مسألة الدراسات والبحوث فليس لدينا دراسات أمريكية في جمهورية مصر العربية.

مسألة أثر صعود الاسلاميين على السياسة الخارجية الأمريكية، تتشارك القوى الليبرالية والاسلامية الوطنية نفس الرؤية للقوى العالمية ومن ثم لا أعتقد أن يحدث تغيير جوهري في هيكل العلاقات وإنما ربما بعض التغييرات الشكلية، لكن الاستجابة للرأي العام سوف تكون أكبر خاصة في ظل الظرف الثوري، مسألة الارهاب العالمي تقلص بشكل كبير بعد الربيع العربي، ولكن سيظل عامل فعال في العلاقة ومن ثم رؤية القيادة المصرية للمقاتلين في ليبيا والعراق وأفغانستان هي محدد قوي لدور مصر تجاه هذه القضايا ومن ثم علاقاتها بالولايات المتحدة.

مسألة إعادة ترتيب المنطقة هناك رؤيتين: إحداهما تقول أن هناك اعادة ترتيب للمنطقة بقيادة الولايات المتحدة، لكن هناك رؤية أخرى ترى أن هناك عملية تحاول أن تقودها قوى وطنية حقيقية وعليها أن تتعامل معها. هناك تناقص في دور الولايات المتحدة منذ التسعينيات حيث يقل نفوذها وقدرتها على تشكيل الأحداث.. لبنان مثلا منذ 2004 واغتيال الحريري انتصرت عليها سوريا في هذه المعركة، العراق انسحاب بأقل قدر من الخسائر لكنها تبقي خاسرة، صعود روسيا والصين دال على تناقص نفوذ الولايات المتحدة.

مسألة القوة العظمى هى تمتلك معظم عناصر القوة بحيث أنها تحتل المركز الأول بفارق جيد عن القوة التالية لها، وهي تحمي قواعد النظام المالي والاقتصادي والعسكري والتكنولوجيا والنظام النفطي.

لا يوجد أحداث في الوقت الحالي
عرض جميع الأحداث

تويتر

كتب

فيس بوك